أشارت وكالة "شينخوا" الصينية، إلى أنّ "رائحة الموت لا تكاد تغيب عن مجمع ناصر الطبي بمدينة خان يونس جنوب قطاع غزة منذ أسابيع، فعند بوابة المستشفى، تصطف عائلات فلسطينية تحمل صور أبنائها المفقودين، تنتظر لحظة قد تكون فاصلة بين الأمل واليأس".
ولفتت إلى أنّه "داخل الساحة الواسعة للمجمع، تمتزج مشاعر الترقب بالحزن، فيما تتهيأ الطواقم الطبية لاستقبال الشاحنات المبردة التي تنقل الجثامين، وبينما تتصاعد الأدخنة من مولد كهربائي قريب، تسود حالة من الصمت والرهبة، وكأن الهواء نفسه يحمل ثقل الفقدان الذي يعيشه الجميع".
ونقلت الوكالة عن سيدة خمسينية من سكان خان يونس، وهي في صفوف المنتظرين، قولها إنّ "كل يوم يمر دون أن أعرف مصير ابني يقتلني أكثر، اليوم ربما أراه، حتى لو كان ميتا".
وبحسب ما نقلت الوكالة الصينية عن شهود عيان، فإن الجثث التي سلّمتها إسرائيل تأتي في "أكفان بلاستيكية، بعضها متجمد والبعض الآخر متحلل جزئيًا، وآثار الدماء ما زالت على الملابس، بينما يكسو الرمل وجوه بعض القتلى الذين ظلوا لأشهر في العراء قبل نقلهم".
وفي محاولة للتعرف على بعض الجثث، عمدت وزارة الصحة الفلسطينية في غزة على نصب شاشة كبيرة في فناء المستشفى، كي تعرض عليها صور الجثث المرقمة، في محاولة لمساعدة الأهالي على التعرف إلى ذويهم، وفق "شينخوا".
وجلست الفلسطينية سمية الصالحي، كغيرها من عشرات العائلات، "تراقب الصور بعينين غارقتين في القلق، وعندما بدأ موظف من وزارة الصحة بعرض صور الجثث، ساد صمت ثقيل المكان"، وقالت لوكالة "شينخوا" إنّ "ما شاهدناه يفوق الخيال، لا أحد يتمنى أن يرى ابنه بين هذه الوجوه".
وتابعت سمية حديثها: "الكثير من الجثث تعرضت للتعذيب أو الحرق، لا نعرف كيف يمكن لإنسان أن يفعل ذلك بآخر، كأننا نعيش في مشهد من فيلم رعب".
ورغم أنها لم تتمكن من التعرف على ابنها، إلا أنها تمسكت بالأمل، كما فعل كثير من العائلات التي تراقب صورا مشوشة لجثامين متفحمة أو مغطاة بالتراب، وفق "شينخوا".
وقرب مكان عرض الصور، وضعت 15 جثة سلّمتها إسرائيل على الأرض، أيديهم مكبلة وأعينهم معصوبة، على جبين أحدهم ظهرت فتحة تشي برصاصة حديثة، بينما بدت جماجم آخرين متهشمة وأسنانهم مكسرة. جميعهم يحملون أرقاما بدل الأسماء، وصورا جزئية لملامحهم أو ثيابهم أو أصابعهم، علّها تساعد ذويهم على التعرف عليهم، وفق ما نقلت وكالة "شينخوا".
ووسط هذا المشهد، ذكرت "شينحوا" أنّه "ارتفع صوت رجل خمسيني يصرخ: "هذا ابني، هذا حذاؤه، أنا من علمته أن يربطه هكذا"، وذلك بعد أن فقد ابنه قبل عشرة أشهر".
وقال لـ"شينخوا"، إنّه "حتى بعد موت أبنائنا، لا يسمحون لنا بتوديعهم بكرامة، يعذبوننا ونحن أحياء ويعذبونهم وهم أموات".
وأضاف: "أحمد كان في السابعة عشرة من عمره، لم يحمل سلاحا يوما، كان مجرد فتى يحلم بالحياة، والآن أتعرف عليه من ربطة حذائه بعدما احترق وجهه بالكامل، لا يمكن تخيل هذا الألم".
منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 10 تشرين الأول، أعادت إسرائيل 165 جثة إلى قطاع غزة، وفقًا لما ذكره المكتب الإعلامي الحكومي في غزة.
وأوضح مدير قسم الطب الشرعي في وزارة الصحة في غزة أحمد ضهير، لوكالة أنباء "شينخوا" أنّ "الجثث تصل عبر الصليب الأحمر وهي مكبلة ومعصوبة العينين، ودون أي بيانات تعريفية".
وأضاف أن "الوزارة لا تمتلك الإمكانيات اللازمة لإجراء الفحوصات المخبرية الدقيقة بسبب نقص المعدات، ومنع إسرائيل إدخال أدوات فحص الحمض النووي (DNA)".
وأشار ضهير إلى أن "التعرف على الضحايا يتم غالبا من خلال الملابس أو العلامات الخارجية"، لافتا إلى أن "الطاقم الطبي، المكون من 16 شخصا، يعتمد فقط على الفحص الظاهري والتوثيق الفوتوغرافي بسبب تجمد الجثث ونقص ثلاجات الحفظ".
بحسب القانون الدولي الإنساني، يتوجب على السلطات الإسرائيلية تسجيل معلومات دقيقة عن مكان وزمان الوفاة، لتسهيل عملية التعرف على الضحايا وتسليمهم إلى عائلاتهم، وفقا لما أوضحه مدير مؤسسة "الضمير" لحقوق الإنسان في غزة علاء إسكافي.
وقال إسكافي لـ"شينخوا" إن "المشاهد التي رأيناها تشير إلى أن ما تعرض له هؤلاء القتلى ليس تصرفات فردية، بل سياسة منهجية تمارسها مصلحة السجون والجيش الإسرائيلي بتوجيه من المستويين السياسي والعسكري".
في ظل هذه الظروف الصعبة، تواصل الطواقم الطبية في مجمع ناصر عملها وسط إمكانيات محدودة، فيما يظل الأهالي بين الأمل والخوف، يبحثون بين الصور والأكياس البيضاء عن إجابات تنهي انتظاراً امتد لأشهر طويلة.
ورغم قسوة المشهد، فإن ما يجمع هؤلاء الأهالي هو إصرارهم على معرفة مصير أحبائهم، حتى لو كانت الحقيقة مؤلمة، فبالنسبة لهم، معرفة النهاية، مهما كانت قاسية، تبقى أهون من العيش على حافة الانتظار، وفق ما نقلت وكالة "شينخوا".